اجتماع العالمين بتنوّع وتعدّد جنسيّاتهم وجوازات سفرهم وألسنتهم فى مكان واحد ولحظة واحدة ليس متاحا دائما... فأكبر اجتماع حاشد يألفه الناس هو اجتماع المناديب الدائمين للدول الأعضاء بالأمم المتحدة... لكن الاجتماع الاستثنائى الأكثر حشدا والأوسع اطارا والمتوحّد قبلة هو ذلك الموقف الحاشد الذى يحدث فى مثل هذا اليوم من كل عام هجرى: وقفة عرفة!
فى هذا اليوم تندهش قوّات حفظ السلام حين تقع عيونهم على مشهد السنّى واقفا بجوار الشيعى أو السلفى ملاصقا للمجدّد أو الصوفى يدور مع أنصارى سنّة... يرون بعينين مواطنا من دول القمّة مع واحد من تنظيم (القاعدة)... أو واحدا من القوات اليمنية مع أحد الحوثيّين... أو أحد أعضاء فتح يجاور أحد أعضاء حماس أو مصريا يضع يده بيد جزائرى يرددون فى صوت واحد: لبيك اللهمّ لبيك!
أىّة قاعة مؤتمرات وأىّ طابور كرنفال أو مقصورة أولمبياد أو لوبى فندق تلك التى تسع هذه التناقضات التى تتكلم بمائة لغة وتتداول خمسين عملة نقديّة ويكسوها خمسة وعشرين لونا للبشرة, لكنّهم يرتدون (يونيفورما) واحدا بلون واحد: ملابس الاحرام!
يولد الانسان بدون ارادته عاريا مستورا بفوطة الولادة البيضاء... ويشيّع الى قبره بدون ارادته مستورا بكفن ابيض.. لكن بين الميلاد والوفاة وفى أيّام الحج يتجرّد الانسان من ثيابه بارادته... يتجرد من البدلة الكاملة ومن البنطلون والقميص ومن الاسكيرت والبلوزة ومن التى شيرت وفستان السواريه ليرتدي ملابس الاحرام باللون الأبيض!
منذ يوم التروية الثامن من ذى الحجة الى يوم الحادى عشر أو الثانى عشر منه يوم التحلل الأكبر تكون كل فصائل الناس وكل فصائل الدم وكل فصائل التوقّعات كتلة واحدة لا تفرّقهم غير تذاكر الطيران أو الملاحة البحريّة!
كيف تقول عناصر من المجتمع الدولى عن بعض هؤلاء انّهم محور الشر... فهل بوسع من يكون ذليلا حول كعبة سوداء ومتبتّلا أمام حجر أسود حيازة بطاقة الشر... انّنى على يقين أنّ مشهد عرفة وما قبلها وما بعدها هى حيثيات تشكيل محور لم يعلن بعد: محور الخير!!